تبلیغات
نغمه - داستان عربی
 
نغمه
مرغ خوش خوان من اینبار بخوان نغمه عشق...

فعنوان هذه السیرة قائم على الترمیز وهو» یشیر إلى الحضور القوی لذلك المكان الغائب الذی تنهی العودة إلیه غربة ذلك الراعی»(19). ولا شك فی أن ذلك المكان هو قریته عین غزال التی ظلت ماثلة أمام ناظریه، والتی كبرت وكبرت لتصبح الوطن السلیب الذی حرم منه إلى الأبد.
  الأنا والآخر فی غربة الراعی:
حین یقوم شخص ما بكتابة سیرته الذاتیة ونشرها على الملأ، هل یرمی فقط إلى تعظیم ذاته وتسلیط الضوء على الدور الذی لعبه فی الحیاة؛ كی یشار إلیه دائماً بالبنان، أم أن هناك غایات أخرى؟ وهل توجد تقاطعات إنسانیة بین السیرة الذاتیة والمجتمعیة؟.
إن الإجابة على السؤال الأول تقودنا إلى جواب السؤال الثانی، فالغایة الأولى والمباشرة للترجمة الشخصیة هی الكشف عن الجوانب العدیدة للشخصیة المترجم لها، وتتبع مسار حیاتها منذ الطفولة حتى لحظة الكتابة، وقد تحدث إحسان عباس بإسهاب عن نفسه، وعن أسرته، وعن تعلیمه... وتنقله فی البلاد وعمله وزواجه وأبنائه...، ومع ذلك فإنه لم یلجأ إلى تضخیم الذات، ولم یقع فی فخ النرجسیة، وكشف أسلوبه البسیط الواضح البعید عن الإیجاز والإیماء عن تواضعه الجم، وحرصه على أن یقرأ سیرته وینتفع بها أكبر عدد من الناس، وهذا ما قاله صراحة فی مقابلة أجریت معه، رداً على سؤال حول الغایة من كتابة السیرة: « إن غایتی كانت تقدیم صورة عن إنسان عادی، قاسم الشعب الفلسطینی قدره ومصیره، وتحمل مشقة شعبه فی مواجهة المنفى، وتأمین شروط الاستمرار فی الحیاة بجد وكرامة،...» غایته إذن تسجیل مصیر إنسان عادی بعیداً عن طقوس السیرة الذاتیة القائمة على الأنا والفردیة المتمیزة، وهالة المثقف التقلیدیة (20)، أراد أن یقدم للقارئ إنسانا شبیها به، وقریبا منه. وقد نجح فی ذلك إلى حد بعید، واستطاع أن یؤثر فی القارئ وأن یخلق حالة من المشاركة الوجدانیة والتعاطفیة، مع الظروف الصعبة التی مر بها، ویتصاعد هذا التعاطف لأن الشخصیة فی الأوتوبیوغرافی لیست خیالیة أو من صنع الكاتب كما هو الحال فی الشخصیات القصصیة، بل هی شخصیات من لحم ودم، عاشت وعانت، فإحسان عباس هذا الرجل اللامع المبدع الخالد لم یكن فی أعماقه یشعر بالرضا المطلق أو السعادة التی لا یكدرها شیء، والمفاجأة الكبرى فی سیرتهبالنسبة إلی- كانت فی زواجه، الذی لم یخجل ولم یشعر بالحرج فی الاعتراف بأن هذا الزواج فرض علیه، كما یفرض على الفتاة التی تعانی من سلطة الأب وسلطان الرجولة، هو الآخر كان معطل الإرادة، ممزق النفس بین رسوم الطاعة، وواجب العصیان» (21)، كان یعانی مما یعرف بالإقطاعیة العائلیة التی یسری فیها حكم الأب (رب الأسرة) على جمیع أفرادها ذكورا كانوا أم إناثاً، وخرج من تجربته هذه بحكمة ملخصها: إن من یجرب الزواج مرة لا یمكن أن یعود إلیه مرة ثانیة.
فالفردیة هی المحرك الأول لكتابة السیرة الذاتیة، فهی تنطلق من الذات/الداخل، وتتجه نحو الجماعة/الخارج، لأن الكاتب یعیش فی وسط اجتماعی، وتنعكس على ذاته وتجاربه المفاهیم الجماعیة، فهناك حالة من التداخل والاندماج (Affiation) عن قصد أو غیر قصد بین التجربة الشخصیة والتجارب الجماعیة.
وإذا عدنا إلى تعریف فن السیرة نجد أنه «نوع من الأدب یجمع بین التحری التاریخی والإمتاع القصصی»(22)، ویرى الأستاذ أنیس المقدسی(23) أن السیرة الذاتیة لا تكتسب صفة السیرة بمعناها الحقیقی إلا إذا كانت تفسیرا للحیاة الشخصیة فی جوها التاریخی.
ویؤمن الفیلسوف الألمانی ویلیام دیلتای Whilhelm Dilthey  بالأهمیة المركزیة للسیرة الذاتیة كوثیقة تاریخیة، مؤكداً أن السیرة الذاتیة تقدم فی الواقع أساساً لا غنى عنه للكتابة التاریخیة برمتها(24).
ویؤكد د.عز الدین إسماعیل أن ترجمة الحیاة تجمع بین الشكل الأدبی والشكل التاریخی، ولتوضیح هذه الثنائیة ربط بین كاتب الترجمة وبین رسام البورتریت (Portrait) وهو المصور الفنان الذی یتخصص فی رسم الصور النصفیة للأشخاص، فهو یحرص على تقدیم صورة صادقة للشخص الجالس أمامه، «وفی الوقت نفسه یواجه مشكلة خلفیة الصورة، ولیس الرسامون على وفاق بشأن هذه الخلفیة، فبعضهم یتركها عاریة من أی تفصیلات، وبعضهم یختار منظراً له دلالته لیجعل منه خلفیة للصورة. وبنفس المنطق یواجه كاتب الترجمة مشكلة الخلفیة التاریخیة... ترى أی الإطارین یختار؟ أیكتفی بحیاة الشخص نفسه المحدودة بحادثتی میلاده ووفاته؟أم یضع هذه الحیاة المحددة  داخل إطار من تفصیلات عصره؟»(25).
والإجابة عن هذه التساؤلات نعثر علیها عند د.إحسان عباس فأی الإطارین اختار؟.
كان د.إحسان عباس یعی تماماً جدلیة العلاقة بین الأدب والتاریخ، بین الأنویة والمجتمعیة أسعفته فی ذلك خبرة واسعة فی كتابة التراجم والسیر، فقد كان ملما بكل ما وقع بین یدیه من مؤلفات تتناول السیرة، واطلع على الأسالیب التی اتبعها من قبله من الكتاب، وتابع الأستاذ أحمد أمین حین كتب سیرة حیاته فی «حیاتی». كما عالج الكثیر من الكتابات الاوتوبیوغرافیة، منها على الترتیب: الحسن البصری سنة 1952، أبو حیان التوحیدی 1956، فن السیرة 1956 وغیرها(26). وكان یؤمن منذ فجر شبابه «بأن الاتجاه فی الحیاة المعاصرة آخذ یتشكل نحو الجماعة بخطى سریعة،» فإذا اعتقدنا أن التجربة الفردیة لا قیمة لها، فإننا نسیء إلى روح الجماعة...، فقد تزول عبادة الأفراد من النفوس، وقد یفقد الفرد معنى التفرد الأنانی، ولكن شیئاً واحدا لا یزول، هو هذه التجارب الحیة وطریقة التعبیر عنها»(27).
وقد اتبع فی كتابة السیرة منهج التدرج التاریخی للشخصیة مع ملاحظة الأحداث فی الداخل والخارج وانعكاساتها على أعماقه، ونظر إلى الزمان واهتم بعنصر المكان، ویبدو أنه استعار الأسلوب الروائی، لكنه لم یلتزم بمقوماته الفنیة مثل التلاعب بالزمن (اتبع التسلسل الزمانی)، وإطلاق العنان لخیاله فی بناء شخصیات لم تعش على هذه الأرض، فجمیع الشخصیات، بدءاً من الشخصیة المحوریة إلى الشخصیات الهامشیة، كانت حقیقیة تتصل بزمان معین ومكان معروف. فالقارئ لهذه السیرة لا یستطیع أن یعزلها عن الشعب الفلسطینی وقضیته، وما رافقها من أحداث تاریخیة ووقائع، تركت علیه علامات ماثلة، حتى وإن لم یشارك فیها مباشرة، كما أنها تطرح الهم الجماعی منذ اللحظة الأولى، وأعترف أننی حین قرأت هذه الغربة سمعت صوت أمی وأبی قادمین من كرمل حیفا، وهما یسردان علینا، دون ملل، (قصص) الثورة والثوار والأوضاع المأساویة التی عاشوا فیها قبل النكبة وبعدها.
إن عنوان هذه السیرة «غربة الراعی» لم یأت مصادفة، بل تعمده الكاتب، واستوحاه من التغریبة الفلسطینیة الجماعیة، وقد جاء مفجرا لكثیر من الدلالات والإیحاءات الجماعیة، فالراعی لیس شخصاً واحدا عاش تجربة التشرد والاغتراب، بل هو مئات الآلاف من الرعاة الذین قدر لهم أن یضربوا فی الأرض، وأن یرتحلوا من مكان إلى آخر دون أن یذوقوا للاستقرار طعماً. وفی المجاز كأن الكاتب ذكر الجزء وأراد الكل، فالأنا عنده لا تمثله وحده، بل هی أنا الجماعة التی ینتمی إلیها، والتی عانت فعانى، وهُجرت من أرضها فهجر، وجمعه معها اسم جدید واحد هو اسم «اللاجئین». فالأمر الطبیعی والمنطقی أن كهف الراعی یحتوی التغریبة الفلسطینیة، فالراعی هو المعادل الموضوعی والنموذجی للشعب الفلسطینی الذی یجد نفسه مضطرا دائما للتنقل طلباً للأمن والاستقرار، ولن یعرفهما إلا بوضع عصا الترحال وتحقیق الحلم (عصی المنال) (28)، وهو استرداد الوطن السلیب. وللتدلیل على مصداقیة هذه المقولة، فإنه یستحسن أن نقسم الحدیث عنها إلى قسمین تبعا للتسلسل التاریخی:
أولاً: التغریبة داخل الوطن وكانت قبل نكبة سنة 1948.
ثانیاً: التغریبة فی المنافی والشتات وكانت بعد النكبة.
أولاً: داخل الوطن
ینتمی د.إحسان عباس إلى الجیل المخضرم الذی شهد اضطرابات كثیرة على الساحة الفلسطینیة، ففی سنة 1920، وهی السنة التی ولد فیها، أقر انتداب بریطانیا وفرنسا على المنطقة العربیة بعد هزیمة تركیا فی الحرب العالمیة الأولى، وفی هذا العام أیضاً دخلت البرامج الصهیوینة حیز التنفیذ، والمتمثلة فی خلق واقع جدید فی فلسطین، یقوم على حشد المهاجرین الیهود، والاستیلاء على الأراضی(29)، وبدأ العرب بمقاومة سیاسة التهوید فحدث أول انفجار بمدینة القدس فی نهایة شهر نیسان؟؟؟؟؟؟ من عام 1920، ثم توالت أعمال المقاومة والمصادمات فی السنوات التالیة. وكانت هذه بدایة المرحلة، احتلال بریطانی، استیطان صهیونی، مقاومة عربیة. وقد أوحى هذا الثالوث لأدیبنا أن یبدأ أوتوبیوغرافیته بعنوان «رموز الخوف»، حیث ذكر أن هذه الرموز استقرت فی ذاكرته وعمره أربع سنوات(30)، وأول هذه الرموز ما رآه الصغیر وقد خرج ذات یوم لیرى البحر....، وفیما هو ینظر إلى الأفق السماوی رأى غیمة تراءت له فی شكل جمل فاغر فمه، عندها أدركه شیء من الخوف دفعه إلى العودة.
أما الرمز الثانی فهو الرصاص (السلاح) الذی قتل عمه سلامة خلیل على خلفیة ما یسمى بشرف العائلة. أما الرمز الثالث فكان للأفعى التی ترقد فی عش العصافیر على الشجرة الكائنة فی بیت الشاب الجمیل ذی الشعر الأحمر، لویّح الدبكة فی الأعراس أحمد الریشان،الذی مد یده إلى العش فنكزته الأفعى اللابدة هناك ومات.
ویأتی الصوت الرابع على شكل صوت مزعج فی حلكة اللیل،والجمیع نیام، أما هو (الطفل الصغیر) فلا یستطیع النوم حتى یكتشف سر الصوت، فإذا به دقات الساعة(المنبه).
والمتأمل فی هذه الرموز التی شكلت بدایات هذه السیرة، یجد أنها إرهاصات لما سیأتی من ناحیة، وتصویر للحاضر من ناحیة أخرى، فرموزه مثقلة بمشاعر القلق والخوف والتوتر، فاللحظة الحاضرة لیست آمنة لدرجة أنه لا یستطیع النوم، والمستقبل مرعب، والموت یخیم على كل شیء فهناك الرصاص الفلسطینی الموجه إلى الإنسان الفلسطینی، والأفعى داخل البیت/ عش العصافیر، تقتل الشباب المتدفق حیویة ونشاطاً وتختبئ، أمل المستقبل یقتلون، والناس فی غفلة من أمرهم، لا یشعرون بالخطر الذی یهددهم جمیعاً، ویصرفون جل اهتمامهم إلى خلافاتهم الداخلیة، والأفعى تنفذ ما ترید، وتتوالى أفواج المهاجرین الصهاینة، ویستمر شراء الأراضی من العرب وتملیكها للیهود(31)، وقد تنبه العرب إلى  مخاطر الهجرة الیهودیة المستقبلیة، ورأوا أنها تمثل بالنسبة إلى الیهود عملیة عودة إلى الوطن، وكان الفلاحون على وعی تام بالآثار السلبیة للهجرة الیهودیة وأنها ستؤدی فی النهایة إلى تجریدهم من أرضهم، فابتدأت أعمال المقاومة، بحیث كان من النادر أن یمر عام دون عنف فی المنطقة، ومن ابرز هذه الأحداث ما عرف بثورة البراق سنة 1929 (32)، وبعد عام 1930 یبدأ الوعی بالحدث یتشكل عند الصبی ابن العاشرة، فیذكر أن الكآبة بدأت تظلل حیاة الناس، وأخذت الأحزان تطبق علیهم، وتلغی الأفراح من حیاتهم(33).
وینمو لدیه الحس الوطنی فینظم وهو فی العاشرة قصیدة یحرض فیها أهل عین غزال للثورة على الانجلیز ومطلعها:
آلا یا أهل عین غزال هبوا
       بأكبركم لأصغركم معینا(34)
وبعد ثورة البراق توالت الإضرابات والمظاهرات فی فلسطین، ویذكر إحسان عباس أن المساجد كانت تقوم بدورها فی توعیة الناس إلى المخاطر المحدقة بهم، وكان الخطباء یلهبون المشاعر بالإشارة إلى المشكلات التی یتعرض لها الوطن من جراء الهجرة الیهودیة، وخاصة خطب الشیخ بدر الدین الخطیب التی كان یلقیها فی جامع الاستقلال بحیفا(35)، كذلك كانت المدارس تهتم بالناحیة الوطنیة وشحذ الهمم، ویذكر أسماء بعض الأساتذة الذین عملوا على إیقاظ الوعی عند الناس وتنویرهم، وتوجیههم  إلى النضال عن طریق تدریب الطلبة على استعمال السلاح، منهم الأستاذ تقی الدین النبهانی، وهو مؤسس حزب التحریر الإسلامی فیما بعد(36).
كما أشار إلى الوسائل التی اتبعها الناس للمقاومة: كالإضراب وإقامة المظاهرات، مع أنهم یعرفون أنها لن تزیل عن أعناقهم نیر الانتداب، لكنها كانتكما قال- السلاح الوحید الذی یعرفه الطلاب والعمال وسائر قطاعات الشعب(37)، ومن الأحداث السیاسیة التی سجلها: ثورة عز الدین القسام سنة1935، وذكر أنها نقلت المقاومة من الهبات الشعبیة والخطب إلى الثورة المسلحة، وكان القسام یرى أنها الأسلوب الوحید القادر على إنهاء الانتداب، والحیلولة دون قیام دولة یهودیة. وانتهت الثورة باستشهاده وشیعت جنازته فی حیفا، إذ تحولت إلى موجة قویة من الشعور الوطنی العربی(38).
وكان إحسان عباس یعرف الشیخ القسام، ویشاهده فی الجامع،  ویصفه بأنه رجل مدید القامة، طویل العمامة، لا تسمع فی خطبته شیئاً ضد الانتداب، وحین عرف نبأ استشهاده حزن كثیراُ، «غامت الدنیا فی عینی لكثرة الدموع وفوجئت بأن الشیخ كان ینطوی على ثورة شدیدة وكان له أتباع، وكان یرتب للجهاد»(39).
كذلك سجل فی غربته الكثیر من وقائع ثورة 1936وأطلق علیها اسم ثورة الفلاحین، وبدأت باعلان الإضراب الذی دعت إلیه اللجنة العربیة العلیا وشمل الإضراب جمیع المدن والقرى الفلسطینیة وأغلقت المدارس، وعاد الطلاب إلى قراهم، وعاد هو إلى عین غزال، وشارك  شخصیا بفعالیات هذه الثورة ضمن قدراته، فقام مع عدد من الشباب بتنظیم مظاهرة جابت القریة وألقیت فیها الخطب الحماسیة التی تحذر الناس من الأخطار المحدقة بهم، وألقى هو فی الجموع المحتشدة خطبة(40).
وظهرت القومیة العربیة فی هذه الثورة بانضمام متطوعین من سوریا والعراق، وعلى رأسهم فوزی القاوقجی وهو لبنانی الأصل، وكان ثوریاً وطنیا، ارتبط اسمه بثورة 1936، وكان أكثر قادة الثورة شعبیة واحتراماً وفعالیة(41).
والشیء الذی یمكن أن یقال عن هذه الثورة أنها لم تكن انتفاضة عابرة، بل كانت ثورة جماهیریة اشترك فیها أبناء فلسطین من مختلف الشرائح الفلسطینیة، وأبدى الثوار بطولات رائعة خلدتها الاناشید الشعبیة التی كان یرددها مطرب الثورة نوح إبراهیم(42). وفی هذه الثورة فقد إحسان عباس اثنین من أعز أصدقائه هما: موسى القلیط (الذی مر ذكره) وصبری زیدان، وصبری هذا كان زمیله فی الكلیة العربیة بالقدس، وهو من قریة إجزم، وعنه یقول: « كان فقیراً مثلی وأشد فقراً، ولكنه كان أشد إخلاصاً لمبادئه» ثم یروی لنا هذه القصة (بصدق وصراحة، ودرجة عالیة من التجرد والموضوعیة فی الحدیث عن الآخر مقارنة مع الذات):» ذهبت مرة إلى الحی الیهودی بالقدس، واشتریت كتاب «الإنیاذة» لفرجیل بقرشین، وأخبرت صبری بما فعلت، فاستشاط غضباً وقال لی: إنك بهذا الفعل تساعد الیهود فی شراء الأرض الفلسطینیة، ولم یرض عنی، ولم یقبل أی عذر أبدیته، وغاضبنی مدة، واستشهد وهو مغاضب لی»(43).
وكانت أعمال المقاومة العربیة تقابل بالإجراءات القمعیة المتواترة التی تتخذها حكومة الانتداب البریطانی لقتل الثورة، وقد تحدث إحسان عباس عنها باقتضاب، ومن ضمن هذه الإجراءات تطبیق قانون العقوبات الجماعیة فإذا أذنبفی نظرها واحد- أخذ بذنبه جمیع أهل القریة، وكان الجنود الإنجلیز یطوقون القرى فی الصباح الباكر، ویأمرون أهل كل قریة بالتوجه إلى ساحة البلد، ثم یتفرسون فی الناس من خلال عین(جاسوس) مختبئ فی سیارة یشیر بأن هذا یعتقل، وذاك لا یعتقل»(44).
ثم كانت الحرب العالمیة الثانیة (1939-1945)، واستغل الیهود ظروف الحرب لتأسیس الوجود المادی للدولة الیهودیة من خلال فتح باب الهجرة على مصراعیه، وتغییر الواقع الدیموغرافی (السكانی) للبلاد، وتشكیل القوة العسكریة التی تفرض قوتهم على البلاد، فقامت عصابات الأرغون وشتیرن وبتأیید مسبق من الهاجاناه بتدبیر مذبحة دیر یاسین 1948، والتی استشهد فیها ثلاثمائة شخص من الرجال والنساء والأطفال (45)، وبعد هذه الجریمة دب الذعر فی نفوس الناس، وحصلت الهجرة التاریخیة وغادر الكثیرون فلسطین، وظهرت مشكلة اللاجئین الذی نقلوا إلى مخیمات تشرف علیها هیئة الأمم المتحدة، یعانون ظروفاً صعبة، ینتظرون الیوم الذی ستبعث فیه فلسطین من جدید.
ثانیاً: فـی المنافـی والشتات
إحسان عباس بین مطرقة الجواز وَسندان الزواج(46): بینما كان إحسان عباس یواصل دراسته الجامعیة بمدینة القاهرة بصحبة زوجته وطفلیه (نیرمین وإیاس)، وقعت النكبة وضاع الوطن، وكانت نذیراً ببدء مرحلة السنوات العجاف، وعن أثر النكبة علیه یقول أحمد دحبور :»...على المستوى الفلسطینی نلمس جرح النكبة فی الكف، وهو لا یندب ولا یخطب، ولكنه یسجل بهدوء كیف تلاحقه صفة اللاجئ منذ وقوع النكبة وهو خارج الوطن، إلى وقفته شیخاً، بعیداً عن مسقط رأسه عین غزال»(47).
وكتب إحسان عباس یصف هذا الزلزال الذی قلب كل شیء، «لم یكد یحل شهر مایو (أیار) من سنة 1948، حتى هبت على وطننا أعاصیر عاتیة، بددت أهله فی شتى النواحی، وهلك من أهله من هلك بالمذابح»(48).
فضیاع الوطن كان إیذاناً فعلیاً ببدء التغریبة الفلسطینیة، وكان إحسان عباس قد استشرف هذه المأساة، وهو دون الخامسة من عمره، حین احتفظت ذاكرته بمقاطع من تغریبة بنی هلال (السیرة الهلالیة)(49)، التی كان والده یتغنى بها على مسامع أهل القریة، فی لیالی السمر بصوت رخیم أقرب إلى التحزین(50):
قالت عزیزة بنت سلطان تونس الأیام والدنیا تسوى العـجائب/ یاما مضت لی أیام وأنا عزیزة خدام  تخدمنی بأعلى المراتب
وتحكی التغریبة قصة بنی هلال وأخبارهم الملیئة بالفروسیة، والأشعار الشعبیة، منذ انتقالهم من نجد بعد أن أصابها الجفاف لأكثر من سبع سنوات، إلى تونس الخضراء التی استقروا فیها، بعد معارك عدیدة مع خصومهم فی مصر والشام وشمال أفریقیا، وكانت سیرة بنی هلال وأخبار زعمائهم، مثل: حسن بن سرحان، وأبی زید الهلالی، وذیاب بن غانم تروى فی المجالس العامة فی مصر والشام، مما جعلها على كل لسان فی معظم الأقطار العربیة(51).
وقد ربط إحسان عباس بین التغریبة الهلالیة، وما رافقها من قتال وتشرید وتشتت وبین التغریبة الفلسطینیة، دون أن یتعمد ذلك، فالعلاقة التشابهیة بین التغریبتین هی التی استحضرت سیرة بنی هلال وبعثتها حیة فی نفسه، فها هی الأعاصیر تعصف بوطننا فلسطین، تاركة آثارها فی أشكال عدیدة، فعلى صعید الأهل: تشرد الأهل من عین غزال بعد أن فشلت المقاومة العربیة(52) أمام قصف الطائرات الإسرائیلیة، وخرج الناس على وجوههم حتى وصلوا إلى جنین، حیث صادف وجود الأمیر عبد الإله أمیر العراق للتفتیش على الجیش العراقی، فقابله أهالی عین غزال ومعهم شیوخ قریتی إجزم وجبع، فأمر بنقلهم إلى بغداد، واستقبلهم العراقیونحسب قوله- بالحفاوة والإكرام، وتمكن من زیارتهم سنة 1952، بعد أربع سنوات من النكبة. أما أهل زوجته فلجأوا إلى مدینة طولكرم، بینما كان یقیم هو فی القاهرة قبل أن یغادرها إلى السودان سنة 1951.
إنها مفارقات عجیبة غریبة، بین عشیة وضحاها یقتلع الفلسطینی من جذوره لیلقى به فی مدن لم تخطر له على بال، وتتقطع الروابط الأسریة، وتبدأ رحلة التیه والضیاع، إذ لم یلتئم شمل العائلة بعد ذلك، فقد مات معظم أهله غرباءكما یموت معظم الفلسطینیین- فی العراق تباعاً، فقد مات خاله شحادة ووالده ووالدته وزوج أخته أحمد عباس، ووجه عین غزال المشرق أحمد سلامة(53)، الصدیق الوفی، «وكل هؤلاء فارقوا الدنیا ولم یصلنی خبر وفاة كل منهم فی حینه»(54). فهو لم یشارك حتى فی تشییع جنازاتهم.
أما على الصعید الشخصی فقد عانى هذا الأدیب أولا من الفقر والجوع، لمدة استمرت أكثر من عشرة أشهر، وأطلق على هذه الفترة اسم حقبة الجوع. وسبب ذلك أن حكومة الانتداب البریطانی كانت تدفع المال للطلاب المرسلین فی بعثات، فأوقفت دفع مستحقاتهم. ومن أجل الحصول على الطعام باعت زوجته كل ما لدیها من حلی، وعرض علیه صدیقه وأستاذه د.شوقی ضیف سلفة لكنه اعتذر(55).
وبتأثیر الجوع أیضا ًكان اختیاره لموضوع رسالة الدكتوراة «حیاة الزهد وأثرها فی الأدب الأموی» كی یبحث عن السلوى فی حیاة هؤلاء الزهاد.
فقد ألقت هذه الفترة بظلالها النفسیة الحزینة على حیاته بكل أبعادها، وفتحت أبواباً من المعاناة لن تغلق، وفی معرض تعلیقه على جوع هذه المرحلة یقول محللاً ومقارناًصحیح أنی كنت فی القریة أشكو الفقر، ولكنی كنت أعیش بین أمثالی من الرعاة، إذ كان لی وطن، أما الآن، فأنا أحسذاتیاً- بأنی فقدت القدرة على الاستقرار فی وطن»(56).
 فهو بهذه الكلمات یفتح الجرح الفلسطینی، ویقارن بین حیاته  فوق تراب وطنه، وحیاته فی المنافی العربیة، ویشخص الداء المزمن الذی ابتلی به شعب فلسطین، والذی لا شفاء منه إلا بالعودة إلى الوطن.
 كما اضطر ثانیاوبتأثیر من النكبة- إلى مواصلة مشوار حیاته مع زوجته التی أرغمه أبوه على الزواج منها (اغتراب داخل الأسرة)، وإلى تحدید النسل، ولیس تنظیمه فهو على الرغم من حبه للأطفال، إلا أنه بسبب الفقر والغربة، أقنع زوجته بالاكتفاء بطفلین، وحجته القویة «بانا مهما تكن أیامنا المقبلة، فلسنا سوى لاجئین مدّفعین فی الأرض، فمن الخیر أن یكون العبء على أكتافنا غیر ثقیل»(57).
 فضیاع الوطن حرمه من اسم المواطن ومن حقوقه، وأعطاه اسماً جدیداً وعلامة فارقة بارزة هی اللاجئ، وقد أصبحت هذه الكلمة هی الاسم الأشهر للفلسطینی، وربما غابت كلمة فلسطینی لتحل محلها كلمة لاجئ، فكان من الطبیعی أن تنعكس آثار هذه المستجدات على حالته النفسیة التی عبر عنها فی إبداعاته الأدبیة. ومنها ما استهل به سیرته «غربة الراعی» وهو مقطوعة شعریة تحت عنوان: «تحیة عام جدید»(58):
فی دفـتر لی قدیـم كتبت هذی السطور/ أمس الذی عاش فیناأمسى وراء الدهور.../ شـكرا لـه قد نعانالوشـك عـام حزین/ أمات مقـبل عـمرٍ  ذبحـا بشفر حـدید/ فـضاع ما نترجـىوعـاش ما نـستعید
نعم لقد ضاع ما نترجى، وتحولت الأفراح إلى أتراح، ودرب الحیاة التی یسلكها الناس وهم صغار تفضی بهم إلى مزبلة! هذه هی نهایة المشوار الإنسانی، لقد اكتشف عبثیة الحیاة، فغلبت علیه النزعة التشاؤمیة، ولم یعد قادراً على التعامل مع الأمور تعاملاً سطحیاً، بل نراه یستبطن الأشیاء، ویكتشف كنهها، ویشعر كل من یقرأ هذه الأبیات أن روح أبی العلاء المعری قد حلت فیه، فجاءت مفرداته تقطر أسى واكتئاباً (نعانا، أمات، ذبح، ضاع) فمن أین سقطت هذه الألفاظ علیه؟ إنها ألفاظ الواقع الذی یعیش فیه، وحیاة شعبه المصحوبة بالخوف والقتل، وغیاب الأمن، والإحساس بأن العمر قصیر، ویعترف إحسان عباس بأنه فی شبابه سیطر علیه هاجس خلاصته أنه لن یعیش طویلاً (59). ویمكن القول إن هذا الهاجس فلسطینی الجنسیة، فرضته ظروف الحرب الدائمة، وجعلته جزءاً من الأدبیات الفلسطینیة الهویة، فهذا محمود درویش ینطق بلسان كل فلسطینی فی قصیدة له بعنوان «صلاة أخیرة» (60):
یخیل لی أن عمری قصیر/ وأنی على الأرض سائح
.... یخیل لی أن خنجر غدر/ سیحفر ظهری/ فتكتب إحدى الجرائد/ كان یجاهد
غیر أن هذا الاستشعار للموت فی كل لحظة لم یحبطه فلم یعرف الانكسار، بل تقبل الحیاة كما هی، وأكثر من ذلك كان هذا الإحساس حافزا له لإنجاز كل عمل یبدأه دون كلل أو ملل، وهذا ما یعرف فی علم النفس بالتكیف(61)، أی أن الكائن الحی یحاول أن یوائم بین نفسه وبین العالم الطبیعی الذی یعیش فیه، فی محاولة منه من أجل البقاء، متحدیاً كل العوائق التی قد تحول بینه وبین إشباع حاجاته ودوافعه، وتحقیق أحلامه وطموحاته.
كان إحسان عباس یؤمن بأن الخوف فی النفس البشریة طبیعی، وهو لیس نزعة فردیة، «فقد سیطرت على الإنسان منذ الأزل حقیقتان كبیرتان هما: الخوف من الموت، والحنین إلى الماضی الذهبی السعید». وتأكد من دراساته أن الشعر یعبر عن هذه الثنائیة، مما دفعه إلى التساؤل عن إمكانیة تحول الشعر من هذا الجو العام الذی یسیطر علیه الحنین إلى الماضی، والخوف من الموت. وحاول الإجابة عن ذلك بفلسفته الخاصة «حین یصبح الموت كبعض حاجاتنا الطبیعیة من أكل وشراب، فیتلاشى خوفنا منه، ولا نهرب إلى أحضان الماضی»(62).
ولعل خوفه من الموت كان یكمن وراء إحساسه الدائم بالحزن، فهناك مسحة من الرومانتیكیة الحزینة لا تفارقه، وقد ورث هذا الحزن عن أمه فاطمة، «فكانت دائمة الحزن، وهو حزن مقرون بالصمت الكامل»(63). كما ورث عنها الهدوء والوقار. وبعد ضیاع الوطن تعمق الحزن فی نفسه، وحفر أخادید فی قلبه وروحه فنراه یكتب فی مفكرة له سنة 1958أنا لا أنكر كثافة مادة الحزن فیما نظمته من شعر، ولكن ما ذنبی إذا كانت مقاطع اللغة والأوزان حتى الراقصة فیها حزینة، وكل شیء فی العالم العربی یتنفس فیه شبح الموت»(64).
صرخة هذا الشیخ تعری الواقع العربی المأساوی، والذی بعث من قاموس العربیة كل المفردات التی تقطر مرارة وأسى، حتى صارت هذه الكلمات هی الأكثر دوراناً فی حدیثنا الیومی، وفی أعمال مبدعینا، فهذا نزار قبانی فی قصیدته بلقیس (65) یفجر حضور الموت فی الوسط العربی:
والموت فی فنجان قهوتنا/ وفی مفتاح شقتنا/ وفی أزهار شرفتنا/ وفی ورق الجرائد/ والحروف الأبجدیة
كانت الصدمة التی حصلت له بعد النكبة قویة جداً، فهی من ناحیة أججت عنده مشاعر الحنین التی لن تنطفئ إلى الماضی المتمثل فی القریة والرعاة، ومن ناحیة أخرى كانت هذه الظروف مناسبة جدا كما یرى للعطاء الشعری، غیر أنه فقد الثقة فی كل شیء وبخاصة فی نظم الشعر، فكان یتجنب قوله، ویهرب من اللحظات التی تجبره على نظم قصیدة بالمشی والهیام فی الشوارعكنت أنظر إلى هول الكارثة التی حلت بوطنی فأجدها أعظم من أن یصورها الشعر، ومع ذلك أرى أنه لا قیمة لشعر غارق فی الذاتیة والأحزان الخاصة، إذا أنا لم أحاول توجیه الشعر نحو تلك المشكلة العامة»(66).
 الصدمة كانت شدیدة علیه وجعلته انهزامیا وقوّت عنده الإحساس بالعجز، فهو لا یملك إلا الكلمة، والوقت الآن لیس للكلام، فكل ما حوله یصرخ باسمه الجدید (لاجئ) لا یعرف إلى أین یتجه؟ أو أین یستقر؟ فقد تحول هو وجمیع الفلسطینیین أمثاله إلى حجر یتدحرج من مكان إلى مكان... بعد أن كشف الأشقاء العرب عن مشاعرهم الحقیقیة.
عار من الاسم، من الانتماء/ فی تربة ربیتها بالیدین/ كل قلوب الناس جنسیتی/ فلتسقطوا عنی جوار السفر(67)
وبدأت رحلة العذاب الفلسطینیة من القاهرة، حیث تخرج فی قسم اللغة العربیة، وأراد أن یعمل كی یؤمّن لأسرته نفقات الحیاة. فتقدم للعمل بجامعة الدول العربیة، ولكن طلبه رفض بحجة أنه فلسطینی، وفلسطین لا تساهم فی تمویل الجامعة العربیة. فبحث عن بدیل، وقد وجده فی السودان فی كلیة (جوردن التذكاریة/ كلیة الخرطوم الجامعیة) سنة 1952، وحین حصل على العمل، ظهرت له مشكلة عویصة هی مشكلة جواز السفر، إذ كان یحمل جواز سفر حكومة عموم فلسطین، فسافر به، وهناك سحب منه الجواز وأعطی بدلا منه وثیقة سفر (68).
وفی السودان استبشر خیراً، وخیل إلیه أن الحجر قد استقر ولو على الهامش الإفریقی الجنوبی من الشرق الأوسط، وراوده إحساس « أن السودانیین صنف مختلف عن سائر العرب الذین قست قلوبهم، حتى عادت أشد قسوة من الحجارة»(69). وفجأة تبدد خیاله أمام كلمات طالب سودانی قالها فی سره (وكان إحسان عباس یتحدث عن ابن الرومی ضمن مساق الأدب العباسی): «هذا الفلسطینی ماله ومالنا؟ لماذا یشغل نفسه بتدریس ابن الرومی؟ لو كان ذا قدرة لبقی فی وطنه یدافع عنه»، ویعلق إحسان عباس على كلمات الطالب: «صدق هذا الطالب فی كل ما قاله»(70). 
فی سنة 1956 حصل السودان على استقلاله، واتجهت السیاسة الجدیدة إلى سودنة كل شیء، فكان لا بد من الاستقالة ودحرجة الحجر من جدید، عشر سنوات من العطاء والإخلاص وتقدیم الخدمات للطلبة السودانیین والأدب السودانی، وكانت النتیجة أن لفظته السودان، وحكمت علیه بالرحیل، إلى أین؟ إلى بیروت، ویصف الكاتب اللحظات الأخیرة حین غادر مع أسرته مطار الخرطوم قائلاًكان منظرنا ونحن ننتظر فی مطار الخرطوم للمغادرة مثیراً للأسى، وكانت تتردد فی خاطری كلمات بیرم التونسی: وشبعت یا رب غربة». وكنت أنا وزوجتی نبكی بصمت. وكان الأطفال ینشجون...»(71).
ثم وصل إلى بیروت بعد طول انتظار، خیل إلیه معه أنه لن یسمح له بالدخول، إذ كان لا یحمل جواز سفر، مما دفعه بعد ذلك إلى حل هذه المشكلة، بالحصول على جواز سفر أردنی. وفی بیروت تجاذبته ألوان شتى من المشاعر. فهو من ناحیة سعید لأنه یقیم فی الواحة الجمیلة الوحیدة فی العالم العربی كله یومئذ، ولا یغیب عن الأذهان أن بیروت صورة بدیلة عن حیفا الساكنة فی قلبه وعقله، فالمسافة بین بیروت وحیفا لیست بعیدة، وتطلان على البحر الأبیض المتوسط (72)، وتحیط بها تضاریس الجبال، وبإمكانه أن یسقط صورة الوطن السلیب على لبنان خلافاً للفروق الشاسعة بین طبیعة فلسطین وطبیعة السودان. ولكن الریاح تصر أن تجری بما لا تشتهی السفن، فنراه فی بیروت یضرب على نفسه طوقاً من العزلة، وینفصل تماماً عن المجتمع الذی یعیش فیه ویكره الاختلاط، ولم یكن الأمر طوعاً بل كان مضطراً.

« فی الخرطوم اعترف بی الناس، واعترفوا بدوری فیهم، وأنكرنی شخص واحد (73)، وفی بیروت اعترف بی شخص واحد هو الدكتور حلیم بركات، وأنكرنی الجمهور»(74). لذلك آثر الابتعاد عن الحیاة العامة، والتدخل فی السیاسة، أو الخوض فی القضایا التی تشغل بال الجماهیر فی الصحافة، واكتفی فیها بدور المتفرج. وبالمقابل انصرف كلیة إلى العمل فیما هیئ له وهو الدرس والتألیف، فهو یقر بأن ضغوط الحیاة الجدیدة فرضت علیه العزلة والحبس فی صومعة الدراسة والتدریس، إذا أراد البقاء، ولم یحاول القیام بقدر من التطبیع الاجتماعی فی المجتمع  الجدید الذی انتقل إلیه. حتى یشعر بالتوحد مع الجماعة والتكیف معها نفسیا واجتماعیاً، والتكیف فی علم النفس « عملیة دینامیكیة تتطلب من الفرد أن یغیر سلوكه فی كل مرحلة من مراحل العمر، لیحقق التوافق الاجتماعی مع الآخرین»(75).
وفی ضوء هذا الانفصال الاجتماعی، ركن إحسان عباس إلى وظیفة تعویضیة مع خیر جلیس، وسیكولوجیاً یمكن القول إن حیاته اندغمت بالمكتبات، وهذا یفسر سر حصر علاقته بالمدن العربیة التی أقام فیها، فی الإطار الثقافی، مما دفع  بالكثیرین إلى القول: إن مدن إحسان عباس هی مكتبات تلك المدن، حیث لا نشعر بوجود أماكن إقامة فی سیرته بعد رحیله من قریته عین غزال.
فی هذا الكلام شیء من الحق، فیما یخص علاقته بالكتب والمكتبات، فالرجل قدر له من البدایة أن یتوجه إلى التعلیم، وكان كیس كتبه یتضخم باستمرار، وأظهر تفوقاً لفت نظر معلمیه، وكان توجهه إلى مواصلة التعلیم، فی ذلك الوقت، خروجا عن المألوف فی القریة، التی یوجه فیها الأبناء للعمل فی الأرض، أما الذهاب إلى المدرسة فیعنی بالنسبة إلیهم تحولاً سلبیا فی حیاة الإنسان، فهذا خاله یرفض أن یرسل ابنه إلى المدرسة لأنه یرى أن المدرسة تفسد الأطفال(76).
إضافة إلى ذلك، فإن اهتمامات إحسان عباس، قبل النكبة، تكاد تكون محصورة فی الكتاب، واستمر هذا الوضع فی الإطار المكانی الذی تحرك فیه بدءاً من القاهرة، ومروراً بالخرطوم ثم ببیروت، وأخیراً نهایة المطاف فی عمان. وربما توقع منه القراء أن یضیف إلى دوره الأساسی وهو دور المثقف والباحث والأكادیمی أدواراً أخرى تملیها طبیعة المرحلة التی عاش فیها. غیر أنی أمیل إلى الاعتقاد بأن المكتبة لم تكن سلبیة، بل كانت المكان الأمثل الذی حقق من خلاله ذاته وأبرز هویته الفلسطینیة المصادرة، « فهو، وإن فقد بیته، وضاع وطنه، وشرد أهله، ما زال  یملك عقله، وبإمكانه أن یقدم من موقعه هذا شیئاً باسم وطنه، وأن یجسد إرادة الفلسطینی التی تخرج من تحت الأنقاض، وتبعث دائماً من جدید، تتمحور وتتحصن لتعود أقوى من السابق، فهو فی العواصم العدیدة، كان الثابت الذی لا یتغیر، قومیته دائماً تسبق اسمه، الفلسطینی، الحریص على إثبات كینونته، وتحقیق ذاته المسحوقة.
السنوات العجاف:
یواصل الفلسطینی إحسان عباس السیر فی طریق الآلام، حیث تنتهی الحقبة البیروتیة بقسمیها الفردوسی والجهنمی، ویغادر إلى عمان عام 1986 للعمل بالجامعة الأردنیة، وتبدأ مرحلة جدیدة أطلق علیها اسم السنوات العجاف، وهی عجاف من منظورین أحدهما شخصی لأن الرجل تقدم فی السن، واعتلت صحته. والآخر قومی یعود إلى روح التصارع والتمزق التی تسود ما یسمى (بالعالم العربی). أما بالنسبة إلى إقامته فی عمان: فهو باعترافه یدین لهذه الفترة بالكثیر من الخیر، إذ أعادت إلیه جزءاً من الماضی السعید، فأخوه بكر إلى جانبه، واتیح له أن یجدد العهد مع أبناء عین غزال. كما انشأ صداقات جدیدة، قامت بدور تعویضی عما فی أعماقه من خیبة ومرارة.
مما دفعه إلى وصف عمان بأنها مكان طیب أحاطه بالأهل والأحباب، فلم یعد یشعر بأنه مهیض الجناح، ووصف الزمان الذی أقام فیه بعمان بأنه زمان كریم معطاء(77)، وكلامه هذا عن عمان وإن بدا أنه شخصی، إلا أنه شعور جمعی عند معظم الفلسطینیین، فعمان بالنسبة إلیهم هی الوطن الثانی، والمكان الذی لا یشعرون فیه بالاغتراب. وعلى الرغم من ذلك فإحسان عباس یصرح بأن هذه الحقبة، وهی الربع الأخیر من القرن العشرین، هی حقبة مظلمة فی تاریخ الأمة العربیة، فرحلة العذاب لم تنته، والمأساة الفلسطینیة ما زالت تبحث عن حل فی أروقة المنظمات والهیئات الدولیة، والأمل بإبجاد حل لها أصبح بعیداً، ولذلك نراه یسجل فی النهایة، ما قصده فی البدایة من كتابه «غربة الراعی»، «إن كل ما لقیت من آلام فی تلك الرحلة لا یقف فی طول ملم واحد إلى جانب أمتار الآلام التی عاناها الشعب الفلسطینی»(78).
فقد كان یدرك تأثیر الزمان على الأشیاء، فهو یؤثر على المكان، ویؤثر على الشخصیات، قد یزیدها تألقا أو یقودها إلى الضعف والهوان، وقد ازداد إحساسه بالزمان بعد مرور عهد الصبا والشباب، وضیاع الوطن فترك فی نفسه كثیرا من الحسرة والألم والحزن، كما أثر ذلك على صحته وذاكرته.

الإطار السیاسی لغربة الراعی:
 عاش إحسان عباس فی حقبة زمنیة حرجة، فهو فلسطینی أصلا، وعربی ثانیاً، وعاصر الكثیر من الأحداث السیاسیة الهامة، ومع ذلك نراه فی سیرته یتجنب الخوض المباشر فی السیاسة، أو تعانی سیرته مما سمی «بالصمت السیاسی»، فهو حین یضطر للحدیث عن شأن سیاسی یلجأ إلى الأسلوب التعمیمی، مع تغییب للمفردات التی تحمل لهجة انتقادیة خاصة، أو تشیر بأصابع الاتهام إلى جهة بعینها، فلماذا فعل هذا؟ لأنه لم یكتب هذه السیرة لتصویر الآلام،» وإنما كتبتها لنقل جل التجارب»، كما أنه لا یرمی إلى تبیان آرائه ومواقفه من قضایا كبرى، أو الإجابة عن أسئلة مهمة تعرضت لها الأمة العربیة(79).
وهذا الصمت السیاسی أثار فضول بعض الدارسین وعلى رأسهم: الناقد فیصل دراج الذی وصف سیرة إحسان عباس «بأنها سیرة متقشفة تقول شیئاً، وتصمت عن أشیاء، أو تقول ما شاءت لها روح الشیخ الجلیل»(80). وحاول أن یخترق هذا الصمت مرتین: الأولى فی مقابلة مطولة أجراها مع الشیخ الجلیل بمشاركة الشاعر مرید البرغوثی، وذلك عقب صدور «غربة الراعی»، والثانیة فی مقالة كتبها بعد وفاته، وحاول دراج، سواء فی المقابلة أو فی المقالة(81)، أن یبحث عن أسباب عزوف إحسان عباس عن الحیاة السیاسیة، وعدم انتمائه إلى أی حزب سواء فی داخل فلسطین أو خارجها، مع أنه لم یكن بعیدا عن القضیة الفلسطینیة، ولا تنقصه الروح الوطنیة. وفی إجابة مباشرة عن هذا السؤال وضّح أن ابتعاده عن السیاسة كان لسببین ظاهرین ولأسباب أخرى،  -حسب تعبیره- أما السببان الظاهران فأحدهما یتعلق بتنشئته القرویة، ووعیه الریفی، وهو یرتكز إلى نزعة المحافظة، أو نزعة الشك والریبة من كل شیء جدید، أو نزعة التشبث بالموروث الساكن وإعادة انتاجه، والذی یعبر عنه التمسك بطمأنینة فقیرة. أما السبب الثانی فهو متفرع من السبب الأول، ویكمن فی معنی السیاسة فی الوعی الریفی «فكانت السیاسة فی وعی الفلاحین البسطاء اختصاصاً للأغنیاء وللعائلات الشهیرة فی حین أن للفلاحین اختصاصاً آخر یتمثل فی العمل فی الزراعة، وفی الكفاح من أجل الوطنإن أمكن-. كما أن الحیاة السیاسیة فی فلسطین لم تكن متبلورة، «بحیث تحرض المتعلم الریفی على تجاوز وعیه التقلیدی، بل كانت فی هشاشتها وعمومیتها وتقلیدیتها تدعم الوعی التقلیدی وتسنده»(82).
 أما الأسباب الأخرى التی أرادها إحسان عباس فتكمن فی خط سیر الحیاة الذی رسمه لنفسه، والمتمثل فی التحصیل الأكادیمی والمثابرة المعرفیة، للبرهنة على أن الفلسطینی الوطنی هو الباحث المجتهد، نعم، لقد كان لإحسان عباس توجه آخر فی الحیاة بعیدا عن النشاط السیاسی، نذر له نفسه، وهو تكریس الجهد فی طلب العلم، وفی أقواله المتناثرة هنا وهناك، وفی نتاجه الأدبی من الأدلة الساطعة  ما یكفی لتوضیح هذا الجانب، من ذلك قوله معلقا على رحلته فی طلب العلم وهو طفل صغیر، من قریته عین غزال مروراً بمدن حیفا وعكا، والقدس وما كان یلقى من عناء وتعب بسبب الفقر، والظروف البائسة، التی كانت تدفعه دفعاً باتجاه العودة إلى القریة، والكف عن طلب العلم، لكنه لم یفعل: «ربما كنت أول طالب فی القریة یهاجر للتعلم، فإذا عدت ربما لا یجرؤ أی طالب آخر أن یخوض التجربة، وأنا أحب أن یكثر المتعلمون فی قریتی»(83).  وتابع هذا المنهج فی حیاته المتنقلة فی المدن العربیة كالقاهرة والخرطوم وبیروت وعمان، فعاش راهب الفكر فی معهد البحث والتنقیب والتألیف، ولم یندم على سیره فی هذا الطریق، بل اكتشف مع الأیام، أنه اختار الصراط الأكثر استقامة، والأقصر فی تحقیق الهدف، وجاءت المأساة الفلسطینیة لتعزز هذا المفهوم، فالأرض ضاعت، والبیوت تهدمت، والأهل قتلوا أو شردوا، أما العلم فهو السلاح الوحید الذی لا یجرؤ أحد على مصادرته منا، ونراه كأب یتحمل دوره، ویؤدی رسالته بأمانة نحو أبنائه. فیقدم لهم النصح والإرشاد، حول ما ینفعهم فی مستقبلهم ألا وهو العلم، كقوله لابنه الأكبر إیاس: «اعلم أن الجد لبلوغ غایة هو خیر سلاح لدینا، نحن الفلسطینیین، بعد فقد الوطن»(84).
یفهم من كلامه أنه كان بعیداً عن الحزبیة، ویتحاشى عن قصد الانتماء إلى أی جهة سیاسیة، فلم یكن عضواً فی حزب، حتى فی الوقت الذی نشطت فیه الحركة الطلابیة، وانخرط معظم زملائه فی الأحزاب، لدرجة أن أحد أصدقائه المسیحیینكما قال- انضم إلى جماعة الإخوان المسلمین(85).
وربما كان من أسباب إحجامه عن السیاسة نزعة الزهد التی عبر عنها فی مطلع حیاته الفكریة حین وضع كتاباً عن أبی حیان التوحیدی، وكانباعترافه- أقرب الشخصیات إلى نفسه لأنه یمثل المثقف الفقیر الذی لا یستطیع بثقافته أن یقف فی وجه تیار النهر العام، ولا أن یغیر من منهج الحیاة، فیلتف حول ذاته معتصماً برومانسیة ثقافیة، أو بتصور رومانسی للثقافة،إذ «الثقافة حیاة أخرى أو حیاة جوهریة توازی الحیاة الیومیة الملیئة بالفراغ»(86). فالمثقف فی رأیه قادر على تمییز الخطأ من الصواب، لكنه عاجز عن إحداث التغییر، أو حتى المواجهة، فیلجأ إلى العمل الحر ویتشرنق حول نفسه، ویشعر بالاغتراب عن مجتمعه، لأنه یحلم بعالم مثالی قائم على الحریة والمساواة.
كان المفروض والمتوقع أن یكون إحسان عباس اثنین فی واحد المثقف والسیاسی، لكن هذا لم یحصل؛ فالمثقف نما وتشعب حتى أصبح إحسان عباس «الأكادیمی اللامع، والمثقف البارز على مستوى الثقافة العربیة الجدیر بالاحترام والتقدیر»(87)، أما السیاسی فكان بالمقابل یتهمش حتى أوشك أن یختفی. فكان الحضور القوی للثقافی، وتغییب السیاسی، موضع تساؤل ونقد عند بعض الدارسین، ووضع تفسیرات فرضیة إذ رأى فیه فیصل دراج: «أثرا من آثار المدرسة الإنجلیزیة التی تُعود التلمیذ على الإخلاص للكتب والتعالیم المدرسیة، وتزجره عن النظر إلى الشوارع والقضایا اللامدرسیة». كما اتهمه بأنه احتفظ فی لاوعیه بأطیاف التلمیذ الذی كان فی زمن السیطرة الاستعماریة على فلسطین، فكان علیه حتى یكون تلمیذاً مقبولاُ، أن یحفظ دروسه جیداً وألا یقرب المظاهرات الشعبیة، فإن فعل جاء ذلك بطریق لا ینقصه التحرز والتخفی (88).
وقریب من هذا الكلام ما ذهب إلیه ابن بلدته د.فهمی جدعان الذی قال عنه: لقد تعامل مع الحدث السیاسی بكثیر من الخوف والتردد، ویرى «أن إحسان عباس یعانی من تردد إنسانی متجذر بین مركبین انثروبولوجیین أصیلین فی كینونته الخاصة: العقل والوجدان»(89).
ویتفرع من صمته السیاسی سؤال آخر طرحه نفر غیر قلیل من الناس وهو: لماذا لم یكتب إحسان عباس كتاباً عن فلسطین، التی شهد فجیعتها صبیاً، وعاش آلامها شاباً وشیخاً؟ ولماذا لم یكتب كتاباً عن محمود درویش كما كتب عن عبد الوهاب البیاتی، وبدر شاكر السیاب؟.
التساؤلات السابقة تنطوی على كثیر من الاتهام الظاهر والمبطن لإحسان عباس بالتقصیر بحق فلسطین، وحق المبدعین الفلسطینیین علیه، فأهل مكة أدرى بشعابها، وهوبالطبع- كان مجهزاً بكل أدوات الكتابة ومستلزماتها، ومارس كتابة التاریخ والنقد الأدبی على حد سواء.
وقد دافع عنه تلامیذه ومریدوه منهم د.محمد شاهین، أحد المترددین على مجلسه الثقافی بعمان حیث قال: «كانت فلسطین هی الهاجس الأول والأخیر طوال سنین حیاته، هی قضیة ونكبة ومأساة، وفردوس مفقود، وهویة فی الشتات»(90).
أما فیما یتعلق بمحمود درویش فیقول محمد شاهین: عن معرفة شخصیة، إن إحسان عباس كان متیماً بمحمود بل ومسكوناً به، «وقد ذكر على مسمعی، وعلى مسمع الآخرین، أن أمنیته أن یكتب كتاباً عن محمود درویش»(91).
وكذلك فعل د.ماهر جرار أحد تلامیذه، فی معرض دفاعه عن ابتعاد إحسان عباس عن الحیاة السیاسیة والنشاطات الحزبیة، فكرر ما ذكر سابقاً من أن تعامل إحسان عباس مع السیاسة تأثر بعاملین هما: شخصیته القرویة الطیبة، والدور الذی رسمه لنفسه وهو دور المثقف المنكب تماماً على علمه وأبحاثه وطلبته، وأضاف: «وهو وان لم ینخرط فی العمل السیاسی أو الحزبی، بمعناه الضیق، والتزم حدود الأكادیمی، إلا أنه یتابع بحس الناقد المرهف، وبمنهجیته المتمیزة عطاءات جیل من المناضلین العرب، ینضم إلیه فی مجلسه جمهرة من المثقفین الملتزمین حزبیاً والمناضلین من سائر الاتجاهات. إذ غدا عبر موقفه الوطنی العام... وعقله المستنیر، وصدره الرحب، مرجعا للجمیع ورمز ثقافیاً ووطنیاً، یلتقی عنده لاستخراج رأیه، القومی والبعثی والماركسی والمتدین»(92).
    وبعد، فماذا یمكن أن یقول هذا البحث عن الصمت السیاسی فی السیرة الذاتیة «غربة الراعی»؟؟.
    لقد نقلت إلینا هذه الغربة جانباً مهماً من تاریخ فلسطین الحدیث، وسجل إحسان عباس فی صفحاتها الأخیرة آراءه فی الحیاة السیاسیة العربیة والتی تنطوی على نقد جریء، كما عبر بوضوح عن الحزن الذی یعتریه لما آل إلیه العالم العربی من كوارث ونكبات، وكشف عن یأسه من إمكانیة الإصلاح والتغییر، وفیما یلی أمثلة من آرائه (وهی للتمثیل لا للحصر): إن حرب الخلیج وحصار العراق قد طمسا بقیة من التفاؤل والتطلع إلى المستقبل. كما سجل تحفظاته على اتفاقیة السلام (اتفاقیة اوسلو)، ووصفها بأنها اضطراریة، فرضت علینا من ناحیتین: من قوة القوی، ومن ضعفنا فی نفس الوقت. ثم یشكك فی مصداقیة هذه المعاهدة لأنها عقدت بین طرفین غیر متكافئین، وبالطبع، كنا الطرف الأضعف فیها، أما الطرف الثانی/الخصم، فهو القوی «والقوی أقدر الناس على أن یسخر من المعاهدات، ویقلب شروطها لصالحه»(93).
ویسترسل فی البوح عما یشعر به من الأسى الشدید لما آلت إلیه الأوضاع فی الدول العربیة من تراجع وانهیار، وجاء هذا البوح بشكل غیر مباشر، عبر رسالة اعتذار وجهها إلى قریبته مریم التی سبقت زمانها، وخرجت فی تصرفاتها عن الحدود التی تقرها القریة، وصنعت قرارها بنفسها، حین أحبت وتزوجت من قاتل عمها(94) وفیما یلی مقتطفات من هذه الرسالة:
«... فإنی إلیك یا مریم سالم خلیل أتقدم بأسفی واعتذاری، كنت مغموراً بقیم العائلة المستمدة من قیم الریف، حین لم أستطع أن أرى فی موقفك ثورة على تقالید هی القیود بعینها. حین لم أقدّر الإشارة القویة التی حاولت إرسالها إلى الغافلین كی یتنبهوا. إن مجتمعا وقف كله یرى فی قتلك تطهیرا لشرف العائلة، لم یكن لیقف عند قتل امرأة واحدة، وإنما كان ملیئا بالحقد على كل فرد، امرأة كان أو رجلا یحمل على وجهه إیماءة التحرر...»(95).
إن كلمات الاعتذار هذه تحمل الكثیر من الإشارات والدلالات، فهی وإن بدت فی ظاهرها، شخصیة، إلا أنها ترمی إلى أبعد من ذلك، هذه الرسالة صرخة لتحریر الذات من العبودیة لكثیر من الأعراف التی ترفضها أعماقنا، وكسر القیود التی نكبل بها أنفسنا، إذا أردنا أن نتحرر من الاحتلال. وأبرز الظن أنه یقصد ذاته فی المقام الأول، إذ عاش عمره مسایراً، وفرضت علیه تركیبته النفسیة بما فیها من حیاء وتواضع أن یستسلم، وأن یقول نعم بدلاً من لا حتى فی أكثر المواقف مصیریة. ونقصد بذلك قصة زواجه، فقد رضخ وهو الرجل والمتعلم لرغبة والده فی الزواج من الفتاة التی اختارها له، وإن كانت لا تحقق الحد الأدنى من المواصفات التی كان یریدها إحسان فی فتاة أحلامه، یتزوج كأی فتاة مغلوب على أمرها، تساق إلى مصیرها دون أن تعترض لأنها لا تملك حق الاعتراض، ویحكم علیها، كما حكم علیه حسب أقواله بالشقاء الأبدی، واكتفی فقط بالنقل الحرفی لجملة واحدة قالها لأبیه بخصوص زواجه: « وحین ودعنی فی النهار عائداً إلى القریة...قلت: سلم على أمی، وقل لها: إنك فی زیارتك لی أطلقت علی رصاصة الرحمة، وتخلصت منی»(96).
كان إحسان عباس فی أعماقه یستاء من أشیاء كثیرة، لكنه لا یجرؤ على المواجهة، وقد ینحنی حتى تمر العاصفة، فمن الطبیعی والحالة هذه ألا یكون صاحب رأی یجاهر به ویدافع عنه، ولم یلجأ إلى التحلیل السیاسی العمیق، بل اكتفی بالأسلوب التسجیلی الصحفی، فكان (فی الإطار السیاسی) كمن یتابع الحدث من بعید، ولا یرید أن یقترب منه، وهذا هو موقف المثقفین الذی یستشعرون الحریة الفردیة، والاستقلال الذاتی، ویقفون من البیئة موقف الحذر والریبة وسوء الظن، ومما یلفت النظر فی شدة حذره وربما خوفه، أنه لم یكن یستعمل كلمة استشهد للثوار، واستعمل بدلاً منها كلمات مثل: قتل، لقی مصرعه، كذلك كان بإمكانه أن یستفید أكثر من الحدث السیاسی، لأنه یهم جمهور القراء، وربما تكون القیمة التاریخیة فی سیرة ذاتیة «كغربة الراعی» أهم من القیمة الفنیة، ولا یعنی هذا أننا نرید أن نحول السیرة إلى تاریخ، لكن الإغفال الشدید، أو الحدیث المقتضب عن بعض الأحداث، كان سببا فی إضعاف القیمة التاریخیة للكتاب، وكان الأجدر به أن یعطی تفاصیل أكثر بشكل یتداخل فیه الأدب مع التاریخ بصورة طبیعیة ومشوقة، وهذا ما ذهب إلیه د.إبراهیم السعافین فی تعلیقه على استشهاد صدیق إحسان عباس، موسى القلیط الراعی والمثالی والمكافح على ید الإنجلیز،» وكان یمكن أن یجعله رمزاً لكفاح الشعب الفلسطینی آنذاك، ولكنه لم یفعل من ذلك شیئاً»(97).
ومن الأدلة على تعامله مع الأمور بحرص وتردد شدیدین أنه لم یلتزم بالصراحة المطلقة فی جمیع ما كتب، وهذا الأمر طبیعی، فالاعتراف المحض فی السیرة الذاتیة هو اعتراف نسبی، لأن هناك عوائق تعترض سبیل المترجم لنفسه منها: عوامل واعیة وإرادیة كالتزییف والتمویه، فربما یعبر الأدیب فی سیرته عن عكس ما یفكر فیه، وما یشعر به، فیطمس بذلك معالم الحقیقة. وهناك عوامل أخرى لاإرادیة كالحیاء والنسیان(98).
فهو لم یقل كل شیء ولم یطبق ما كان متحمساً له فی شبابه، حین كتب كتاب «فن السیرة»، من ضرورة الالتزام بالصراحة الكلیة وسبب ذلك كما یقول: «حین وقفت أمام التجربة بنفسی وجدت ان حماسة الشباب لا تستمر...وأنی لا أستطیع أن أتحمل مسؤولیة تلك الصراحة، وأن مجتمعی یصد عنها»(99).
فهو لم یستطع أن یسجل كل شیء دون خجل أو وجل، ولجأ إلى الأسلوب الانتقائی، وهذا ینطبق على ما یخص الذات أو ما یخص الجماعة، ولا شك أنه أخفی عامدا أشیاء كثیرة، وربما كانت هذه المخفیة هی الأكثر أهمیة (المخفی أعظم)، وهذا واضح وجلی فی قوله إنه صد عن الصراحة لأنه لا یستطیع أن یتحمل مسؤولیتها، وما تجر علیه من عواقب.وكانت طبیعة إحسان عباس تتمیز بالتفكیر بالشیء قبل تنفیذه، وتقدیر الخطر قبل وقوعه، كان یتروى طویلاً، ویتعب عقله فی العملیات الحسابیة حتى لا یقع فیما لا تحمد عقباه، فهل كان إحسان عباس جباناً؟ ربما تحمل الحكایة التالیة بعض الإجابة:
كانت هناك أفعى تسبح على جدار، وقد تجمهر حولها الناس خائفین، یهیبون بأی من الرجال الحاضرین، كی یخلصهم منها، وكانت بین الجموع (نوار-الحبیبة المنشودة)، واتجهت الأنظار إلیه كی یقوم بهذا العمل، فوجد أن الإقدام على القیام بذلك ضرب من الجنون، وقال للذین یطلبون منه قتل الحیة: «هذه لیست شجاعة، إنها تغریر بالنفس»(100).
هذه لیست حكایة، هی حادثة حقیقیة وقعتكما قال- فی قریته عین غزال بعد ثورة 1936 بقلیل، وبعد استشهاد عدد كبیر من المشاركین فی الثورة. وكانت نتیجة تخاذله أن قاطعه أهل القریة، أما نوار التی كانت تنظر إلیه وتحثه على قتل الأفعى،صارت» تشیح بنظرها عن منظر هذا الجبان الذی لا یحمل أی جرأة یتصف بها الفلاحون. لقد طارت نوار من عالمی إلى الأبد»(101).
ألیست هذه القصة بشخوصها وحدثها ونهایتها قصة رمزیة، ومن نوار؟ ألا یمكن أن تكون الوطن الذی تسبح فیه الأفعى (الاحتلال) بحریة دون أن تجد من یقف فی طریقها!
وبعد، فإن هذه القصة سواء فی بعدها الظاهری أو فی إیحاءاتها الرمزیة لا تقلل من شأن هذا الرجل العظیم، الذی شهد له الجمیع بأنه عالم جلیل، أثرى المكتبة العربیة بعشرات الكتب على مستوى التحقیق، والتألیف فی الأدب والتاریخ والنقد إلى جانب كونه شاعراً وأدیباً.
هذه السیرة تسجل تجربته الخاصة بكل ما فیها من تناقضات، وإن كان لون الكآبة هو الغالب علیها، وقد حرص إحسان عباس أن ُیبقی فی ذاكرتنا، أن حیاته لم تكن سهلة، وأن الحیاة قاسیة، وهذا ما سجله فی آخر السیرة تحت عنوان: حكمة ختامیة(102)
قاسیة هی الحیاة
جاسیة عروقها
...
تغریك بالممكن من قطافها والمسـتحیل
تعـطیـك وهـی مانعـة  تكرّم البخیل
فالحیاة قاسیة، لا رحمة فیها، وهی أشبه بالشجرة الجافة التی لا فائدة منها، ویرى د.خلیل الشیخ أن هذه الشجرة تجسد أزمة الشاعر الوجودیة والنفسیة. وهذا الأمر طبیعی لأن غربة الراعی تبدأ من الطفولة وتنتهی بالشیخوخة،» فالزمن عنده موزع بین لحظتی عجز قاسیتین: فی الطفولة والشیخوخة»(103).
وكان قبل ذلك قد استحضر مقاطع من قصیدة محمود درویش: شظایا الأمس المنكسر(104):
ههنا حاضر
لا زمان له
... وفی
أی وقت وقعنا عن الأمس فانكسر
الأمس فوق البلاط شظایا یركبها
الآخرون مرایا لصورتهم بعـدنا
فقد أنهى إحسان عباس سیرته بكلمات مشبعة بروح التشاؤم، روح إنسان خبر الحیاة فلم یجد فیها إلا الألم والقسوة والمعاناة، فخرج بهذه الفلسفة الوجودیة التشاؤمیة التی تبعث فی ذاكرتنا فلسفة مثیلة لها صدرت عن حكیم المعرة أبی العلاء المعری:
تعب كلها الحیاة فما أعـ  ـجب إلا من راغب فی ازدیاد





سلام به همه دوستان و بازدید کننده های عزیز
اگر مایلید مطالب مورد نظر شما با نام خودتان اینجا در این وبلاگ چاپ بشه لطفا مطلب بفرستید
قبلا از اینکه به سایت خودتون سر میزنید از همه شما سپاسگزارم.مطالب این سایت عموما برای بالا بردن اطلاعات عمومی است و در زمینه ادبیات نیز فعالیت دارد

مدیر وبلاگ : محمدهادی برائی نژاد
نظرسنجی
نظرتان راجع به این وبلاگ و مطالب آن چیست؟








آمار وبلاگ
  • کل بازدید :
  • بازدید امروز :
  • بازدید دیروز :
  • بازدید این ماه :
  • بازدید ماه قبل :
  • تعداد نویسندگان :
  • تعداد کل پست ها :
  • آخرین بازدید :
  • آخرین بروز رسانی :
آمار